09 , يونيو 2026

القطيف اليوم

لغة النبلاء 

نتحدث اليوم عن لغةٍ لا تُكتب بالحروف والكلمات، بل تُنسج من القيم والمشاعر والمواقف النبيلة، فتسمو بصاحبها وترتقي بعلاقاته مع الآخرين. لعلّنا نستطيع أن نعدّها لغة خاصة، تختلف عن لغات التخاطب المعتادة، لأنها لغة ترتبط بالإحساس والشعور العالي.وهي من أساسيات التعايش الإنساني والتواصل السليم في العلاقات الاجتماعية.

إنها لغة الإعتذار ! 
تلك اللغة التي لا يدرك الكثيرون معناها الحقيقي، ولا يعرفون متى ينبغي إستخدامها أو في أي موقف تكون واجبة ومستحقة. بل إن بعض الناس يجهلون أبجدياتها وحيثياتها، ولا يعون متى وأين يكون الإعتذار سلوكاً راقياً يعكس نبل النفس وسمو الأخلاق.

يبدو أن صورة الإعتذار ما زالت مشوشة لدى البعض، إذ يتصورونه ضعفاً  أو إنتقاصاً من الذات، بينما هو في حقيقته دليل على قوة الشخصية ونضجها. فالإعتذار يرتبط بالجانب النفسي والأخلاقي للإنسان، ويعكس مستوى الوعي والذوق والرقي الذي يتحلى به.

يُدرك أصحاب النفوس السليمة والقلوب المتسامحة قيمة الإعتذار ولا يترددون في المبادرة إليه عند الخطأ، دون أي عناد أو تكبر أو تعال، فهم يرون فيه رفعة للنفس وتصحيحاً للمسار، لا إنتقاصاً من الكرامة أو المكانة. وهكذا تكون النفوس العظيمة التي تسمو على الأنا والكبرياء، وتؤمن بأن الإعتراف بالخطأ فضيلة، وأن إصلاح القلوب أولى من الإنتصار للنفس.

غالباً ما يمتلك المعتذرون ذوقاً رفيعاً وفهماً عميقاً لمعاني التسامح، فهم يدركون أن كلمة إعتذار صادقة قد تداوي جرحاً، وتجبر خاطراً، وتعيد جسور المودة التي كادت أن تنقطع، وأنه يتجلى في إعتذارهم معاني الرحمة والسماحة وحسن الخلق.

من جهة أخرى ، هناك من تمنعهم الأنانية والكبرياء من الإعتذار، فيصرون على الخطأ أو يتجاهلون أثر تصرفاتهم في الآخرين. ومثل هذا السلوك لا يزيد العلاقات إلا تباعداً، ولا يورث صاحبه إلا خسارة المحبة والاحترام. 

وقد أشار القرآن الكريم إلى حال من زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً، فقال سبحانه وتعالى:
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۚ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
صدق الله العظيم.
سورة فاطر، الآية (8).

ما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل من كتاب الله سبحانه وتعالى منهجاً للتربية والهداية، نستقي منه القيم التي تنمو بأخلاقنا، وتصلح علاقاتنا، وتعلمنا أن الإعتذار ليس ضعفاً، بل خلقاً نبيلاً يرفع صاحبه ويزيده قدراً في قلوب الناس.


error: المحتوي محمي